ابن إدريس الحلي
545
السرائر
الماضيين ، إذ كان الحكم في المجلس الثاني بالإقرار الحاصل في المجلس الأول ، أو البينة مستندا إلى العلم ، وإذا لم تمنع التهمة هاهنا من الحكم بالعلم ، فكذلك هناك . وبعد فحسن الظن بالحاكم المتكامل للشروط ، يقتضي البخوع لحكمه بالعلم ، ويمنع من تهمته كالإقرار والبينة ، لولا ذلك لم يستقر له حكم ، ولم يسمع قوله أقر عندي بكذا ، وقامت البينة بكذا ، وثبت عندي بكذا ، وصح عندي إلا أن يكون حصول الإقرار أو البينة بمحضر من لا يجوز عليه الكذب ، وهذا يقتضي نقض نظام الأحكام بغير إشكال ، وإذا كان علمه بكون المدعى عليه مقرا أو مشهودا عليه ، أو له أو حالفا أو محلوفا له موجبا عليه الحكم ، وإن لم يعلم ذلك أحد سواه ، ولا يحل له الامتناع لخوف التهمة ، فكذلك يجب أن يحكم متى علم صدق المدعي أو المنكر بأحد أسباب العلم ، من مشاهدة ، أو تواتر ، أو نص صادق ، أو ثبوت إمامة ، أو نبوة ، إلى غير ذلك من طرق العلم ، لعدم الفرق ، بل ما نوزعنا فيه أولى . فإن قيل لو شاهد الإمام أو الحاكم رجلا يزني أو يلوط ، أو سمعه يقذف غيره ، أو يقر بطلاق زوجته ، أو يظاهر منها ، أو يعتق عبده ، أو يبيع غيره شيئا ، كان يحكم بعلمه أم يبطل ذلك ؟ قيل إن كان ما علمه الإمام أو الحاكم عقدا ، أو إيقاعا شرعيا ، حكم بعلمه ، وإن كان بخلاف ذلك ، لاختلال بعض الشروط كعلمه بغيره ناطقا بكنايات الطلاق ، أو صريحة في الحيض ، أو بغير شهادة ، أو إظهار بغير لفظه ، أو بغير إشهاد عليه ، أو قصد إليه ، إلى غير ذلك ، لم يحكم لفقد ما معه يصح الحكم ، من صحة العقد أو الإيقاع . فأما ما يوجب الحدود ، فالصحيح من أقوال طائفتنا ، وذوي التحصيل من فقهاء عصابتنا ، لا يفرقون بين الحدود وبين غيرها من الأحكام الشرعيات ، في أن للحاكم النائب من قبل الإمام أن يحكم فيها بعلمه كما أن للإمام ذلك ، مثل ما سلف في الأحكام التي هي غير الحدود ، لأن جميع ما دل هناك ، هو الدليل هاهنا ، وللفرق بين الأمرين مخالف مناقض في الأدلة .